تحليل أشعار :
***********
لَوْلا المَشَقّةُ سَادَ النّاسُ كُلُّهُمُ --------- الجُودُ يُفْقِرُ وَالإقدامُ قَتّالُ .
وَإنّمَا يَبْلُغُ الإنْسانُ طَاقَتَهُ -----------مَا كُلّ ماشِيَةٍ بالرّحْلِ شِمْلالُ.
المتنبي .
مفردات :
المشقة : الشدائد والصعاب والمحن .
ساد : أي حاز على السيادة والريادة .
الجود : الكرم والبر والإحسان .
الإقدام : الجرأة والشجاعة مع الصبر والتحمل .
الرحل : قافلة السفر من مراكب ومسافرين .
شملال : سريع وخفيف .
لولا الصعاب والشداد والعقبات في هذه الحياة لكانت السيادة والسلطة والشرف والنبل لكافة الناس .
لكن جعل الله العقبات والصعاب حتى يمَكِّن لهذه السيادة والمكانة العالية فئة خاصة من أولي العزم والإقدام والجرأة .
والحياة لا يمكن أن تستمر إلا بالتفاوت في الدرجات .
قال الله تعالى :" وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا".
فجعل الله القوي خدمة للضعيف .
وجعل السليم خدمة للمريض .
وجعل الأمير خدمة للرعية .
وجعل الشجاع والمقدام دفاعا وحصنا وسدا منيعا لغيره .
ومصادر هذه البسالة والشجاعة والإقدام هي : تحمل الصعاب ومجاهدة النفس في خوضها دون وهن ولا كسل .
وتكون منذ الصغر ، ويجب تكوين أمثال هؤلاء وتنشئتهم على ذلك ، فكل قوم أو أمة بحاجة لهم في سائر الأعصار والأمصار .
وقفة : الشجعان وأولوا العزم لا يدور برحاهم الكسالى والخاملين بل لا يتواجد بساحهم إلا أهل الجد والعزيمة والبأس والقوة .
وقصة طالوت تبين لنا ذلك حين ابتلى جنده بنهر وامتحنهم به ثم أخرج الصفوة من أولي العزم رغم قلتهم وأكمل بهم المسير إلى أن حقق على أيديهم النصر .
وليست الكثرة تعني القوة ، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ، ولقد نصركم الله ببدر وأنت أدلة ، وحين أعجبت جيش حنين كثرتهم وقالوا لن نغلب اليوم من قلة فولوا الدبر وخذلوا هنالك .
وقد تجد قلة مقللة تتوج بالنصر على الجيش العرمرم .
لفتة : قد تركن النفس للراحة والترف وفي ذلك هلاكها وضياعها .
وقد تكره الجهاد والمجاهدة وخوض الصعاب وركوب المخاطر وفي ذلك حياتها وعزها .
قال الله عز وجل :" كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" البقرة/ 216 .
صنف فقط : من الناس من يقوى على تحمل الصعاب والمكاره والشدائد ، ولا يصيبهم في ذلك كلل ولا ملل ، ولا تخور قواهم أمام السيول الجارفة التي تتوسط كل سبيل يوصل للمجد ويصنع النصر ، وهؤلاء هم من يكن لهم الحظ الأوفر في تقديم العون والغوث والإنقاذ لغيرهم ، وينالون أجرهم غير منقوص .
تمعن : فليس كل من يسير في ركب الأبطال بطل ، وليس كل من يمتطي جواد شجاع ، فقد يكون في ركب الأبطال من يعيق ويخدل ، كما بين سبحانه وتعالى :" لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يبغُونَكُمُ الْفِتنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ" التوبة -47"
-ولأوضعوا خلالكم-، يقول: ولأسرعوا بركائبهم السَّير بينكم،.بغية الفتنة والتثبيط .
فليس كل من يسرع بركبه في القافلة بطل وفارس محنك فقد يكون لغرض خسيس لا يقدم على فعله الصغار .
فلا تغتر بكثرة ولا سرعة حتى تأتي ساعة الشدة لترى فيها الرجال وترى فيها أشباه الرجال وهم يتساقطون كالفراش المبثوث الواحد تلو الآخر .
اللهم أفرغ علينا صبرا من السماء وتبث أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرون .
------
للشيخ عبد الله لعريط
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق