أدب الحوار
لنستمع إلى هذا الحوار الطريف الذي جرى بحضرة الإمام أحمد؛ وذلك أن الشافعي وإسحاق تناظرا في جلود الميتة إذا دُبِغَت، أتطهر أم لا تطهر؟
فقال الشافعي: دباغ جلود الميتة طهورها، فإذا دبغ جلد الميتة طهر.
قال إسحاق: ما الدليل؟
قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم وجد شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هلا انتفعتم بجلدها؟)). قالوا: إنها ميتة، فقال: ((إنما حرم أكلها)) [4].
قال إسحاق: دليلي على أن جلود الميتة لا تطهر: حديث عبد الله بن عكيم، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم قبل أن يموت بشهر: ((لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)) [5]، يعني لا بجلد ولا بعظم، وهذا يمكن أن يكون ناسخًا؛ لأنه قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بشهر.
قال الشافعي: هذا كتاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وذاك سماع، والسماع مقدّم.
فقال إسحاق: إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم، وكان ذلك حجة عليهم عند الله تعالى.
فسكت الشافعي، وذهب الإمام أحمد بعد تلك المناظرة إلى حديث عبد الله بن عُكَيْم وقال به [6].
وهذا يدل على تجردهم وسعيهم للوصول إلى الحق.
من أدب الحوار
1- : أن يعطي المحاورُ لمحاورِهِ فُرصةً للحديث
2- وأن يُصغِي إليه
3- وأن يُحسِن الاستماع إليه
4- وأن ينتظره حتى يتمّ حديثه
5- وأن يتذكَّر أن الله جعل له لسانًا واحدًا، وجعل له أُذُنَيْن؛ حتى يسمع أكثر مما يتكلم.
وعلى المحاوِر
6- : أن لا يحمّل كلام محاوره من الضخامة والتهويل ما لا يحتمل ذلك
7- وأن لا يعتدي في وصف محاوره، كأن يقول مثلا: أنت سخيف، أو أنت جاهل، أو غير ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: ((ليس المؤمن بالطعَّان، ولا اللعَّان، ولا الفاحش، ولا البذيء" [1].
وينبغي للمحاور
8- : أن يكون مُنصِفًا باحثًا عن الحقيقة أنَّى وُجِدَت، فالحكمةُ ضالةُ المؤمن أنَّى وَجَدَها التقطها، والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، كما قال عمر بن الخطاب.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.
1- انظر القصة بتمامها في طبقات الشافعية الكبرى (2/92،91).
2-أخرجه ابن أبي شيبة (30338)، وأحمد (3839)، والبخاري في الأدب المفرد (312)، والترمذي (1977)، وابن أبي عاصم في السنة (1014).