الثلاثاء، 2 يونيو 2026

الدولة العثمانية

 بعد مقاومةٍ أسطورية دامت سنتين وسبعة أشهر، من عام 1916 إلى عام 1919، وقف فخر الدين باشا، قائد القوات العثمانية في المدينة المنورة، في وجه الحصار والجوع والعزلة، رافضًا الاستسلام رغم انهيار الجبهات العثمانية وانتهاء الحرب العالمية الأولى.

وعندما وصلته أوامر الدولة العثمانية بوقف القتال وتسليم المدينة المنورة، رفض تنفيذها، وقال كلمته الشهيرة:
"الخليفة تحت الأسر، هذا ليس قراره."
كان فخر الدين باشا يرى أن الخليفة العثماني لم يعد حر الإرادة، وأن الواجب يقتضي مواصلة الدفاع عن المدينة المنورة وعن المسجد النبوي الشريف مهما كانت الظروف.
لكن مع مرور الوقت، أدرك بعض ضباطه أن المقاومة أصبحت مستحيلة. فقد نفدت المؤن، وتفشت الأمراض، وانقطعت سبل الإمداد، وأصبح استمرار القتال يعني مزيدًا من المعاناة والضحايا دون أملٍ حقيقي في تغيير النتيجة.
وكان من بين هؤلاء الضباط الميرلوا (العقيد) نجيب، الذي وجد نفسه أمام أصعب قرار في حياته العسكرية.
لم يكن يريد خيانة قائده الذي أحبه واحترمه، لكنه كان يرى أن الاستمرار لم يعد ممكنًا، وأن حماية أرواح الجنود تقتضي إنهاء القتال.
اتخذ نجيب قراره المؤلم.
قرر اعتقال فخر الدين باشا بنفسه.
فُتح باب الغرفة فجأة.
التقت عينا فخر الدين باشا بعيني نجيب.
كان تحت وسادة القائد العثماني مسدس صغير من نوع "براوننغ".
مدّ يده نحوه.
لكن نجيب بادره وهو يبكي:
"لا تفعلها يا باشا... يا باشا، تعال نستسلم."
وفي لحظة امتزج فيها الألم بالغضب، رفع فخر الدين باشا يده وصفع الضابط نجيب على وجهه، ثم قال بحزم:
"سنتين ولم أستطع أن أعلّمك هذا؟! العثماني لا يستسلم!"
وقف الجنود حول قائدهم ودموعهم تنهمر.
لم يكونوا يعتقلون قائدًا فحسب، بل كانوا يودعون رجلًا عاش معهم الحصار والجوع والخطر، وشاركهم كل لحظة من لحظات الدفاع عن المدينة المنورة.
وبأيدٍ مرتجفة، قيّدوه.
ثم بدأوا في إنزاله عبر الدرج.
انعطفوا نحو اليمين.
حتى وصلوا إلى جوار الحجرة النبوية الشريفة.
وهناك...
توقف فخر الدين باشا فجأة.
وصرخ بصوتٍ عالٍ:
"توقفوا!"
ساد الصمت.
وتوقفت الأقدام.
والتفت القائد العثماني إلى أحد جنوده وقال:
"يا ناجي، خذ سيفي وضعه على قبر أمّنا السيدة فاطمة."
أخذ الجندي السيف.
ومضى لينفذ الأمر.
ثم التفت خلفه فرأى مشهدًا لن ينساه ما دام حيًا.
كانت الدموع تنهمر من عيني فخر الدين باشا.
لم يكن يقوى على النظر نحو الحجرة النبوية الشريفة.
كان يشعر أن أصعب لحظات حياته قد حانت.
تقدم خطوتين.
ثم توقف مرة أخرى.
ورفع صوته باكيًا وهو ينادي:
"والله يا رسول الله، فخر الدين ثبت على عهده، لم أستسلم!
إنهم يأخذونني...
إنهم يأخذونني...
إنهم يأخذونني!"
كانت كلمات خرجت من قلب قائدٍ أمضى أكثر من عامين يدافع عن المدينة المنورة في ظروفٍ بالغة القسوة، رافضًا مغادرتها أو تسليمها ما دام قادرًا على القتال.
وبعد إتمام عملية التسليم، اعتُبر فخر الدين باشا أسير حرب وفق شروط الهدنة.
فقامت القوات البريـ..ـطانية باعتقاله ونقله أولًا إلى مصر، ثم إلى جزيرة مالطا، حيث بقي أسيرًا لفترة من الزمن.
أما البريطانيون، الذين عرفوا مدى صلابته وشدة مقاومته، فقد أطلقوا عليه لقبًا ظل ملازمًا لاسمه في كتب التاريخ:
"نمر الصحراء".
رحلت الجيوش، وتبدلت الدول، وانقضت السنون، لكن قصة فخر الدين باشا بقيت واحدة من أشهر قصص الصمود العسكري في تاريخ المدينة المنورة، ورمزًا لرجلٍ تمسك بموقعه حتى اللحظة الأخيرة، مؤمنًا بأن شرف الدفاع عن مدينة رسول الله ﷺ يستحق كل تضحية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شاهد

  شاهد من غير أهلها : يوهان فولفغانغ غوتة (عميد الأدب الالماني) . غوتة هوأحد أبرز الأدباء الألمان على مر العصور الذي يقترن اسمه بالأدب والثق...