الثلاثاء، 17 مارس 2026

تاريخ المسجد الكبير

 تاريخ المسجد الكبير كما يرويه Charles FÉRAUD في المجلة الإفريقية:

الجامع الكبير، هذا الصرح الديني، الذي يعد أول ما تقع عليه العين عند دخول ميناء القل، بُني حوالي عام 1756م بأمر من باي قسنطينة، "أحمد بن علي رومانلي"، الذي كان، قبل ترقيته إلى منصب الباي، مجرد إنكشاري بسيط في القل، ثم آغا لحامية القل، وهو ما أكسبه لقب «القلي» الذي تذكره به سجلات البلاد.
تزوج أحمد القلي، حين كان إنكشارياً في القل، من ابنة «بن قانة»، وهو حداد من ميلة؛ فكانت له بذلك تحالفات في بلاد القبائل. ولكن بعد وصوله إلى السلطة، احتفظ بشكل خاص بأفضل الذكريات عن إقامته الطويلة في القل. ويروي التاريخ المحلي أنه ذات يوم، وبينما كان يسبح، كاد أن يلتهمه قرش. وفي تلك اللحظة الحرجة، نذر أن يبني مصلى على الشاطئ الذي كان يسبح نحوه بكل قوته. وبالفعل، أقيم بناء متواضع يتناسب مع ثروة الآغا آنذاك؛ وعندما أصبح أحمد باياً، استبدله بالمسجد الحالي.
ومما يثير الغرابة في هذا المبنى أنه يشغل موقع مذبح قديم مخصص للإله «نيبتون». ولا تزال لوحة الإهداء، التي كانت ملقاة على الأرض عام 1785م والتي قرأ فيها الوكيل «هوغ» كلمات (Neptuno, Jovi)، موجودة حتى اليوم، حيث تُستخدم كعتبة باب لأحد ملحقات المسجد؛ غير أن جزء الرخام الذي كان يحمل كلمة (Jovi) قد كُسر، ولم يتبقَ سوى الجزء المكمل لها، والذي وضعه عمال محليون مقلوباً لعدم معرفتهم بالقراءة.
يربض المسجد على أساسات المعبد الروماني. و يحمل سقفه، المكون من قرميد مجوف، ثلاثون عموداً أثرياً، أربعة منها و تاجان هم من الرخام الأبيض الجميل. أما المياه المخصصة للوضوء، فتوضع في إحدى تلك الجرار الضخمة التي كان الرومان يصنعونها، وهي مغلقة تماماً حتى فوهتها.
تحتوي المئذنة الصغيرة الملحقة بالمسجد على نحو أربعين درجة. وقد خصص الباي لرعاية هذا المصلى مداخيل نحو عشرين دكاناً تقع في قسنطينة، بالقرب من الباب المسمى «باب الجديد».
قبل وصول الفرنسيين، كانت القل لا تزال تضم حوالي خمسة عشر مؤسسة دينية أخرى قليلة الأهمية، كانت تحمل اسم «جامع». ومنها: جامع سيدي بو حديد، سيدي الأخضر، سيدي إبراهيم، سيدي تواتي، سيدي أحمد، سيدي علي، سيدي عبد السلام، سيدي مسعود، سيدي عزيز، سيدي عمار، سيدي مصباح، سيدي الزاوش، وسيدي شنوف. ومن بين هذا العدد الكبير، صمدت أربعة فقط أمام عوادي الزمن.
في عام 1859م، وجدت (Charles FÉRAUD) في القل، وسط قبور كانت مبعثرة هنا وهناك بين منازل المدينة العربية، النقش الجنائزي التالي:
هذا قبر المرحوم المنغمس في رحمة الحي القيوم، "شارقان ابراهيم باشا"، رحمه الله ورحم المسلمين، توفي في ربيع الأول عام 1123.
وعلى الشاهد الرئيسي للقبر، نجد مكتوبا:
لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذا قبر الشاب المرحوم بكرم الله.
أوضح لي قاضي المنطقة أن هذا الباشا، وبينما كان متوجهاً من القسطنطينية (إسطمبول) إلى الجزائر، اضطر بسبب سوء الأحوال الجوية إلى الرسو في القل. أقام في المدينة لفترة، ثم توفي فيها قبل أن يتمكن من الوصول إلى منصبه. هذا النقش المهم لتاريخ البلاد اختفى عند تخطيط المنازل الفرنسية الجديدة. يجب على سكان القل الحفاظ بعناية أكبر على كل ما يذكر ويشكل تاريخ بلادهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حكمة

  حكمة و معنى : *********** من حكم الأستاذ سيد قطب -رحمه الله -: -------------------------------------------- إننا نعيش لأنفسنا حياة مضاعفة،...